بعيدا عن السياسة....

    سأقلـِّبُ وإياكم صفحة من صفحات أجدادنا الأوائل..  وسأحاول أن أنفضَ عنها ما تراكم من غبار ونسيان لنستنطق ما احتوته هذه الصفحة ذات اللون الأصفر .
وبعيدا عن السياسة ...
سنسلط الضوء على " ما كان" للشعر من وقعٍ وأثرٍ في نفوس قارئيه وسامعيه.


1- يُحكى أن ...

  قال الأصمعي : بينما أنا أسير في البادية إذ مررتُ بحجرٍ مكتوبٌ عليه هذا البيت :

إذا حلَّ عشقٌ بالفتى, كيفَ يصنعُ ؟

 أيا معشَرَ العشّاقِ  بالله  خـبِّروا

 فكتبتُ تحته :

ويَخشَعُ في كلِّ الأُمورِ ويَخضَعُ

 يُداري هواهُ ثـُمَّ  يكتـُمُ سِـرَّهُ

 ثم عدتُ في اليوم الثاني فوجدتُ مكتوبا تحته :

وفي كُلِّ يـومٍ قلبُـه يتَقـطَّعُ ؟

 فكيف  يُداري والهوى  قاتلُ الفتى

فكتبتُ تحته :

فليـسَ لهُ شئٌ سوى الموت ينفعُ

 إذا لَمْ يجدْ صـبرا لكتمانِ سـرَّه

   ثم عدتُ في اليوم الثالث فوجدتُ شابا ملقى تحت ذلك الحجر ميتا، فقلتُ لا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم وقد كتبَ قبل موتِـهِ:

 سلامي على من كان للوصلِ يمنَعُ

 سمِعنا   أطَعنا   ثم  متنا  فبلِّغوا

    إذن هكذا كان تأثير الشعر على متلقيه وقارئيه فعاشق يتسائل ببيت شعر واحد ووحيد عما هو صانعه كي يجد له حلا في حالة العشق التي امتلكته ويأتي الجواب له أيضا ببيت شعر واحد يأمره بالمداراة والخضوع والخشوع ثم يرد العاشق بأنه لا يستطيع لذلك سبيلا فما كان من الناصح إلا ان قال بأن حالته ما من دواء لها إلا الموت فما كان من العاشق إلا السمع والطاعة وامتثل للنصيحة .

وبعيدا عن السياسة ...

   ألا يحق لنا أن نصف مثل هذا العاشق بالبلاهة !
   ففي زمننا هذا كم من القصائد النارية التي قيلت فلا أذن سمعت ولا بصيرة وعت , ولعلنا نتساءل عن سبب هذا التحول في ذوق الناس !!! . فلماذا يرى الحاكم العربي كل هذه الأهوال والمصائب ويخاطبه الشعراء والمثقفون بالشعر أحيانا وبالمقالات أحيانا أخرى ولكنه - وللأ سف - كأن على رأسه الطير.!!
فما هو الخلل , وأين تكمن العلة ؟
ببساطة " فحكام " اليوم وولاة امورنا بلا استثناء إما جهلاء أو أنصاف متعلمين , بل لعلنا نجزم بأن جلهم لا يعرف الفرق بين كان وأخواتها , أو إن وأخواتها . وليت شعري كم أردد هذا البيت من الشعر كلما خطر ببالي احدهم .

قلاقلَ   همٍّ  كلهنَّ  قلاقلُ !!

 تقلقلت بالهمِّ الذي قلقلَ الحشا

وبعيدا عن السياسة ...

   لو افترضنا أن شاعرا من شعراء اليوم مثل بين يدي ملك او حاكم عربي وقال فيه قصيدة همزية أو لامية أو حتى " خــائية " فما الذي سيناله الشاعر من عطاء ؟ لا شيء . نعم لا شيء وأكبر شاهد على هذا هو حياة شعرائنا اليوم والتي تثير الشفقة والرثاء سواء من كانوا أحياءً أو الذين لاقوا ربهم فقراءَ . ولعل من نافلة القول أن نذكر هنا بعض الأمثلة لأحوال الشعر ,الشعراء عندما كان الأمير أو الحاكم يعي الشعر ويتذوقه , ويقدره القدر الذي يليق به .

2- يحكى أن ...

قال أبو جهَمٍ بن حذيفة يوما لمعاوية : أنتَ عندنا يا أمير المؤمنين , كما قال ابن عبد كلال :
 

بـهِ   خيرا  أراناه  يقينا

 يقينا ما نخافُ  وإن  ظننَّا

إذا  ملنا  نميلُ  على أبينا

 نميلُ   على  جوانِبِه  كأنَّا

فنخبرُ  منهما كرما  ولينا

 نقلبه     لنخبر   حالتيـه

فأمر له معاوية بمائة الف درهم.

   فكما ترون ثلاثة أبيات من الشعر أُجيز راويها بمائة ألف درهم ... لذلك ربما نغير رأينا في جهل حكامنا , ونصفهم بالبخل ....وعلى ذكر البخل والبخلاء نذكر ما كان من أمر حبيب وحبيبته فنقول :


3- يحكى أن:

      دعتْ أبا الحرث حبيبةٌ له فحادثته ساعة فجاع، فطلبَ الأكل فقالت له : أما في وجهي ما يشغلك عن الأكل؟ فقال : جُعِلتُ فداءك لو أن جميلا وبثينة قعدا ساعة لا يأكلان لبصقَ كل منهما في وجه صاحبه وافترقا .
وقيل لبخيل من أشجع الناس؟ فقال : من سمعَ وقع أَضراس الناس على طعامه , ولم تنشق مرارته .


وقيل لبعضهم , أما يكسوكَ محمد بن يحيى ؟ فقال : والله لو كان له بيت مملوء إبرا وجاء يعقوب ومعه الأنبياء شفعاء، والملائكة ضمناء، يستعير منه إبرة ليخيط قميص يوسف الذي قُدَّ من دبر ما أعاره إياها , فكيف يكسوني ! وقد نظم ذلك أحدهم فقال:

إبرا  يضيق  بها   فناء  المنزلِ

 لو أن دارك أنبتت لك واحتشتْ

ليخيط   قَدَّ  قميصه  لَمْ  تفعلِ !

 وأتاك  يوسف   يستعيرك  إبرة

وإلى لقاء آخر بحول الله .

2000-10-17
     مع تحيات   جمال حمدان


[Sign My Guestbook] [View My Guestbook]
Powered by E-Guestbooks Server.

راسلونا