|
|
 |
مطعم " اليـمن السـعيد " !!!
جمال حمدان
كنت وصديقي الشيخ/ يوسف في طريقنا من " أبها " إلى " جازان "
وكالعادة هو ينام على المقعد المجاور لي وانا اسوق السيارة
ولازلت أذكر دعواته لي بالخير بعد انتهاء كل سفره وشكره لي
لأنه لم يشعر بطول الطريق ولا مشقة السفر ( شو عليه .. طول
الرحلة وهو يشخوِر ) .
وذات مرة ونحن في " عقبة أبها " ننحدرُ إلى "جازان "قال لي
الشيخ يوسف أنه يشعر بالجوع وطلب مني أن اتوقف عند اول مطعم
يقابلنا .. وبالفعل فما أن لمحت مطعما لاحباب لنا من " اليمن
السعيد " حتى توقفت وترجلنا من السيارة ودخلنا..
أول شئ لفت انتباهي في المطعم هو الزي الموحد لعمال المطعم حيث
كانوا يلبسون وزرات مخططة بالالوان الحمراء والسوداء والصفراء
وعراة من اعلى الوسط ( يا رب كما خلقتني ) وفي أحزمتهم (جنابي
) أي خناجر وينتعلون زنانيبا خضراء .. ( أكرمكم الله) ..
جلسنا فتقدم لنا أحد العمال مرحبا بنا وسالنا : ما تشوا ؟ فقال
له الشيخ يوسف : وايش عندكم من إدام ؟
فقال: عَــندنا قلابــــة ومقلقـــل ولــــحم زغــار وتميس !
فنظر لي الشيخ يوسف وألقينا رؤوسنا على الطاولة وأخذنا نضحك
بهستيريا والعامل واقف ينظر إلينا حانقا ومستغربا ..
فعاود الشيخ يوسف يساله : لو سمحت قل لنا ما عندكم بالراحة
وشوية شوية !
فرد العامل : عَـــندنا قلابة ومقلقل ولحم زغار !
وعاودنا للضحك مرة أخرى وبدأ الشرر يخرج من عيني أخينا اليمني
.. فقد تذكرت اثناء الضحك بأنني دخلت مطاعما فرنسية وصينية
ويابانية وإيطالية وبالطبع امريكية وكنتُ افهم معنى بعض
الأكلات واطلب وأنا مرتاح .. أما في هذا " المطعم اليمني
السعيد " قد اصابنا الحوَل وعقولنا طلسمت .. وصرت أضحك مرددا (
قلابة ومقلقل ولحم زغار ) وحاولت ان اتخيل شكلها او طعمها ولم
افلح .. ..
لاحظت بأن اخينا اليمني بدا يفقد صبره أمام شيخ " وقور" بلحية
وفتى مستهتر يضحكان كمساطيل !!!
فسألته للمرة الثالثة .. ماذا عندكم من إدام ؟ فعاود لي
الاسطوانة للمرة الثالثة وزاد ضحكنا وبالتالي زاد غليان الدم
في عروق " اليمني السعيد " ووضع يده على (الجنبية ) وعندما
شاهدتُ بأنه يمسك بمقبض الجنبية قلت في بالي لم يعد فيها من
مزح يا بو حمدان ... فتمالكت نفسي وحبست الضحك وقلت للشيخ يوسف
: شو رايك لو نطلب لحم زغار؟ فوافقني وقال لي : أحسن شئ نطلبه
هو لحم زغار لأنه بالتاكيد سيكون كتفا أو فخذة من خروف حولي
صغير ! وبالفعل استقر راينا على " لحم زغار" وبعد ربع ساعة عاد
العامل ووضع أمامنا طبقين بهما قطع لحم صغيرة جدا لا يتجاوز
حجم القطعة حبة الفول ومطبوخة بصلصل طماطم ( وينك يا قوطي صلصل
واتشوفنا ) !!
فما أن رأى الشيخ يوسف " اللحم الزغار" حتى عاد له الضحك
الهستيري مرة أخرى وتبعته أنا فما كان من اخينا اليمني إلا أن
قال ( برطملي ترملي بطرطرطوش ) فتذكرت أخينا " بشبوش " وقلت
ليته معنا ليترجم هذه اللهجة الحُمَيْرِيَّة الأمازيغية لعلمي
أن ثقافة الأخ بشبوش " واسعة وعريضة " ! ..
وعندما نظرنا لوجه اليمني أدركنا بأن الغضب قد وصل عنده أكثر
من 9 درجات على ( مقياس عنتر) .. وما هي سوى لحظات حتى نرى
الجنبية تجول في أحشائنا ..
فكرتُ في الأمر بحذر وقررت أن ارافق هذا العامل للمطبخ لأرى
الأكلات بعيني ..فوافق ودخلت المطبخ فإذا بي المح معلبات من
الفول ..فقلت له ...خلااااااااص ..هب لنا فوووووووووول وفكنا
!!!
وعدتُ لأجلس بجوار الشيخ يوسف فإذا به يتكلم مع عامل آخر
ويطلبُ منه أن يريه الجنبية ..فقال له اليمني .. يا شيبة لا
تطلب هكذا طلب !!... ترى قسم بالله لو أخرجت الجنبية ما أردها
إلا وهي جايبة دم !!!
فما أن سمع الشيخ يوسف طاري " جيبة الدم " حتى شحب لون وجهه
وصار يقسم على اليمني بأغلظ الأيمان ألا يخرج جنبيته من غمدها
!!
جاءنا أخونا الحبيب بالفوووول وقال لنا : ما تشوا ؟ فقلنا خبزا
! فقال : "ما شي خبز .. ولكن عَــندنا " تميس " ..
عدنا للضحك مرة اخرى فإذا به يعود يرطن كاخينا " البشبوش "
وأمسك بمقبض الجنبية فاسرعت أنا والشيخ يوسف بالهرب, وركبنا
السيارة بسرعة وانطلقنا واليمني السعيد يجري خلفنا وصوته ارعب
كل القرود اللي في قاع عقبة ابها .. ...فقال لي الشيخ يوسف قل
له: ( يوم الربوع ) !!
لم أدرِ ما معنى (يوم الربوع ) ومع هذا أخرجت رأسي من الشباك
وقلت له بأعلى صوتي (يوم الربوع ) فسمعته يقول لي ( عليك وعلى
اهلك واتبعنا زنوبته ) !!
وبعد مدة عرفت من أحد الأخوة اليمنيين ما هي قصة (يوم الربوع)
..حيث أن قبيلتن من " اليمن السعيد " (تهاوشتا) في يوم من ايام
الاربعاء وصار اليمنيون (يعيّرون) افراد القبيلة المهزومة بـ (
يوم الربوع ) ...
واحمد الله أن الشيخ يوسف لم يطلب مني أن اقول يوم الربوع ونحن
في المطعم وإلا صرتُ وإياه (لحم زغار )
وكل عام والقلابة والمقلقل واللحم الزغار والتميييييس بخير !
وسامحوووونا 
1984-12-19 مع تحيات جمال حمدان
|
|
|